اصمت بحُرِّية

‏الحريّة يا ولدي .. لا شيء!

حين تُسجن ستعتقد أنّ خروجك حريّة، لكنّ الخارج مليءٌ بكلّ شيءٍ إلّا الحريّة! يجهل الباحث عن الحريّة أنّ ثورته كُتبت على سورٍ، وهو يقضي حياته ليُحطّم الأسوار! سيجعلونك تمشي في طريق البحث عن الحريّة لتجد نفسك عبدًا لرغبتك في البحث عنها، ثم يجعلونك جاهلًا، ثمّ تُمنح الحريّة لتمارسها بشكلٍ خطإٍ وتصبح أنت الذريعة لاستعباد الجميع!

الوجهُ شاحبٌ، والجبين متعرّجٌ، سيُشخّصك الطبيب بسوء التغذية؛ أخبره أنّ ما ينقصك فقط هو بعض الحريّة، إيّاك أن تعجب حينها من عجزه! فالحريّة ليست موجودةً إلّا خارج هذا الكوكب، وإنْ حصلت عليها فإنّها ستصنع منك عبدًا أو تصيبك بإحدى رصاصاتها وتقتلك، وما نفع الحريّة إنْ حصلت عليها ميتًا؟!

طيلة السنين الّتي عشتها رأيتُ شعوبًا بحثَتْ عن المشاركة في الحكم، ثمّ بحثَتْ عن حقوقها، ثمّ بحثَتْ عن الحريّة، والآن تبحثُ عن أنفسها! لقد حوّلتهم الحريّة من عبيدٍ لعبيدٍ من نوعٍ آخر.

صدّقني لو صدّقت عناوين الأخبار لوهلة لأصبحت،
“مصرعُ مواطنٍ ارتدى عدسة الحريّة ليرى الكوكب بشكلٍ أجمل”،
“رافعًا شعلة الحريّة بيده، مكتشفًا زورها، ثمّ أحرق نفسه بها”،
“الحريّة لا تليق بكم”.

في النهاية ستعلم جيّدًا أنّ الحريّة رجسٌ من عمل الإنسان. ولك الحريّة، كلّ الحريّة في أنْ تصمت فقط.

انتكاسات ..

‏لا أجد تفسيرًا مطلقًا لكلّ ما أمرّ به! لكنّني لا أجد انتكاسةً أكثر قوّةً من فكرة أنّني أنظر للعالم وكأنّني أنظر لمرآةٍ فلا أرى إلّا نفسي. مذ بدأتُ أنكر ما حولي من أحداثٍ وأنا أمرّ بأكثر انتكاساتي هدوءًا وسلامًا؛ لا عذر لانشغالك عن الحقيقة، مذ بدأتْ الحياة تسرق منك اعتباراتك وبدأتْ تحدّق في كلماتك قبل نطقها وكأنّ الحياة تضع إصبعها في عينك كي لا تنظر مجدّدًا لحقيقةٍ تدركها أكثر من حقيقة وجودك، مذ أصبحتَ تحمد الربّ على ما يصيب قومًا ليسوا ببعيدين عنك بدلًا من الدفاع عنهم! ‏وأنت لست أنت، تنظرهم بطرف عينك وعينك الأخرى تتشبّث بحياةٍ تخشى كلّ الخشية أن تذهب هباءً منثورًا، مقتنعًا بأنّ لا ضير في اختفاء المبادئ الّتي لطالما اعتنقتها؛ وتنتسل منك الحياة شيئًا فشيئًا وتُنتزع منك المواقف قسرًا، لتدرك بكامل ضعفك أنّ لا راحة في حياةٍ تخلو من مسؤوليّتك تجاه الحقائق الّتي قد لا تتعدّى بضع كلماتٍ لا يقرأها أحد.

ذاكرة ذُبابة

لطالما حلمت بارتكاب هولوكوست يضمّ كلّ ذباب الأرض، مَن منا لم يسأم من (كَشّ) الذبابة صاحبة الذاكرة المزعجة الّتي لا تتجاوز الخمس ثوانٍ، إنَّه لمن أسوأ الأُمور أنَّ ذاكرة الذبابة الضعيفة تجعلها تكرر إزعاجها لك، فهي لا تنفكّ عن معرفة أهدافها رغم ضعف ذاكرتها.
مهلًا! ألا تستحق هذه الذبابة الإعجاب؟! لو تفكّرنا قليلًا لودَدْنا أنْ ننعم مدى الحياة بذاكرةٍ ضعيفةٍ وأهدافٍ ثابتةٍ وراسخةٍ لا تتغيّر أبدًا.
تُعتبر الذبابة وجهًا إيجابيًّا لحالة الزهايمر العربيّ الّذي لا يلبث أنْ يصبَّ جُل اهتمامه على حادثة حتّى يبدأ بنسيانها وتغدو كسابقاتها ذكرًى للاحتفال والامتعاظ وذرف بعض الدموع؛ فلقد أصبح العربيّ يمتلك ذاكرة ذبابة، لكن -كما ذكرتُ سابقًا- الذبابة لا تتخلّى عن قضاياها بسهولة!!
لحظة! فلنتوقّف لحظةً..
فعليًّا، نحن عاجزون عن تذكّر قضايانا لأكثر من خمس ثوانٍ.
أَما سألت نفسك أيّها العربيّ؟! لِمَ كلّ هذا الغضب اللحظيّ والسخط المتراكم لم يعد علينا بفائدة واحدة؟ أتعلم أنّي عاجزٌ عن إيجاد إجابةً لهذه المهزلة؟! هل تعلم بأنّي كنتُ سأجد الإجابة لو لم أنسَ سبب كتابتي لهذا المقال؟

عار الخزَّان ..

‏مات غسّان ولم يطرق أحدهم جدران الخزان!

لم أعلم سابقًا في رواية غسّان لِمَ لَمْ يطرقوا جدران الخزّان؟ ، ليتّضح لي اليوم أنّهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنّ لا حياة لمن تنادي، لذا فلا تنادِ.

لَمْ أدرك يا الله لِمَ تدعنا نقتلهم؟! في الحقيقة لم يكن هناك خزّانًا! كنّا نحن الخزّان وأحكمنا إطباقه حتّى هلكت أصواتهم وأهلكناهم بصمتنا.

أيّ حياةٍ يُنقل فيها الإنسان مكدّسًا بخيبات الأمل؟!

أتعلم؟!!! لا ينبغي أن تشارك في القتل حتّى تصبح قاتلًا، يكفيك أن تُبقي فمك مغلقًا.

موتوا بصمتٍ؛ فقد ضاقت دائرة اهتمامي حتّى أمست آدميّتي خارجها.

أوَلَمْ تُنصتوا جيّدًا لمن آمن بالخزّان قبلكم؟! كان الموت أجدر منّا باحتضانكم؛ فموتوا بصمتٍ.

” ‏تعليقًا على وفاة ٧١ سوريًا اختناقًا  “

image

موزمبيقيَّات ..

‏المثل الشعبيّ يقول: “كلّ قبيلة لها هبيلة”، وهذا ما كان في قبيلة الهونغوا في موزمبيق؛ يُقال أنّ فيها شخصًا مختلًّا عقليًّا يُدعى «كولو»، لم يكن كولو يتناول الطعام كباقي البشر فقد كان يتناول رَوَث الحيوانات بدلًا عنها، ولهذا كان كولو مُعرّضًا للسخريّة والاستهزاء ممّا جعله يُجبر أبناءه وأحفاده على صنع ما يصنعه؛ فأصبحوا جميعهم يتناولون رَوَث الحيوانات إلى أن أصبح الأمر من عاداتهم وتقاليدهم مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال.
وكغيرهم، لا يقبلون أن يمسَّ أحد عاداتهم وتقاليدهم ولا أن يُغيّرها أو أن يستهزئ بها ويسخر منها، رغم أنّها خطأ فادح وأمر مقرف لا يقبله أيّ عقل بشريّ، لكنّهم أيضًا لا يقبلون ما يقوم به بعض البشر الّذين يدّعون أنّهم عقلاء، أولئك الّذين يُطلقون الرصاص في الأفراح ويقتلون برصاصه الطائش مَن لا ذنب له بغبائه! فما قولك عزيزي، وما موقفك لو علمت أنّ «كولو وأبناءه وأحفاده» يهزؤون ويسخرون منك أيّها الغبيّ؟ 🙂

مِن جديد ..

‏مذ ظننت أنّ ما أنا فيه سائرٌ إلى الأبد، وأنا أعاني قلّةً حادّةً في النسيان لم أتصوّر يومًا أنّني سأتحدّث عمّا حلّ بي كأنّني أتحدّث عمّا حدث ‏لشخصٍ آخر، لا يعنيني أبدًا، بل أنّني تجاوزت ذلك وبدأت أتلذّذ بالحديث عن مصائبه، كلّ ما ظننت أنّ نسيانه فاق قدرتي على النسيان ‏أجرُّ كلماتي لاعنًا إيّاه ولاعنًا كلّ ضعفٍ رتيبٍ أحاط بي.

‏أيُّ إنسانٍ أتركه خلفي ولا أكاد أطيق النظر إليه؟! أيُّ إنسانٍ مهترئٍ كنت؟! حقًّا لم أعد أدرك ماذا حلّ بي، هل أنا فقدت قدرتي على الشعور أم ‏أنّني بدأت الآن أشعر حقًّا؟!
‏يبدو أنّني لم أنسَ ما حلّ بي، أو ربّما أنا تخطّيت ما يرجوه البشر من نسيانٍ هزيل؛ ولأنّنا لا ندرك قيمة الأشياء إلّا بعد فقدها، آثرت التشبّث ‏بنفسي.

ثورة و موسيقى ..

image

الحياة يا صديقي تسقط حين يسطع نجم الثورة ، قد نسقط اليوم وقد نسقط غداً لكن الثورة لا تسقط ابداً ..

المقاهي ، الموسيقى ، علب السجائر ،
الكتب القديمة ، الرصاصات الفارغة ، حكايات الكفاح المقدسة ، وكوب قهوتي ، كلها تشتعل فرحاً بموت حياةٍ لا حياة فيها ، فلنعزف برفق كلماتنا قبل الموت ، ولنصنع اكاليل الزهور قبل ان نذبُل ولنحيي الشموع قبل ان تُطفئ قلوبنا ..
فلم يعد بأمكان القيود تجريد الألحان من حريتها ..
فلنعزف يا صديقي ..